فائق زيدان… صوت التحذير المبكر ومنطق الدولة في زمن الأزمات
بغداد – الخبر العراقي
في خضم التعقيدات السياسية والأمنية التي مرّ بها العراق خلال السنوات الأخيرة، برزت أصواتٌ عديدة حاولت لفت الانتباه إلى مخاطر الانزلاق نحو مسارات غير محسوبة، إلا أن صوت فائق زيدان كان من بين أكثرها وضوحًا وحزمًا في التحذير المبكر من تداعيات زجّ البلاد في صراعات تتجاوز قدراته وإمكاناته.
من موقعه كرئيسٍ لمجلس القضاء الأعلى، لم يكن خطاب زيدان سياسيًا بقدر ما كان قائمًا على منطق الدولة وسيادة القانون، حيث شدّد في أكثر من مناسبة على أن أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة، خصوصًا الذي يستهدف المصالح الأجنبية أو البعثات الدبلوماسية، من شأنه أن يمنح مبررات للرد الخارجي، ويعرّض العراق ومؤسساته الأمنية إلى مخاطر مباشرة.
لقد استندت تحذيرات فائق زيدان إلى قراءة واقعية لموازين القوى الإقليمية والدولية، وإدراكٍ عميق لطبيعة التحديات التي يواجهها العراق، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو حتى الدبلوماسي. فالعراق، الذي لا يزال يتعافى من آثار الحروب والإرهاب، لا يحتمل الدخول في مواجهات مفتوحة قد تعيد البلاد إلى دوامة العنف وعدم الاستقرار.
ورغم وضوح تلك التحذيرات، إلا أن بعض الأطراف لم تلتزم بها، ما أدى إلى تصاعد التوترات، ودخول البلاد في مسارات خطرة انعكست بشكل مباشر على أمن المواطنين، وأسفرت عن خسائر مؤلمة في صفوف القوات الأمنية، سواء من الجيش أو من الحشد الشعبي، الذين دفعوا ثمنًا باهظًا في معارك لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية العليا.
إن جوهر ما دعا إليه فائق زيدان يتمثل في العودة إلى مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، والالتزام بالدستور بوصفه المرجعية العليا في تنظيم شؤون الحرب والسلم. فالدولة وحدها هي القادرة على اتخاذ القرار السيادي الذي يوازن بين حماية المصالح الوطنية وتجنّب المخاطر غير المحسوبة.
كما أن طرحه لشعار “العراق أولًا” لم يكن مجرد عبارة إعلامية، بل رؤية متكاملة تقوم على تغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى، والعمل على حماية البلاد من الانجرار إلى صراعات إقليمية قد تُستخدم فيها الساحة العراقية كساحة تصفية حسابات.
وفي ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإقليمي، تبرز أهمية استحضار تلك التحذيرات، ليس بوصفها موقفًا عابرًا، بل كخارطة طريق لتفادي المزيد من الخسائر. فاستمرار تجاهل منطق الدولة سيبقي العراق عرضة للتجاذبات، ويزيد من كلفة الدم والاقتصاد والسيادة.
ختامًا، يمكن القول إن دور فائق زيدان في التحذير المبكر يمثل نموذجًا لخطابٍ مسؤول يسعى إلى حماية الدولة ومؤسساتها، ويؤكد أن النجاة لا تكون إلا عبر الالتزام بالقانون، وتعزيز هيبة الدولة، وتوحيد القرار الأمني تحت مظلتها

