ظلال الغضب: كيف يتحول الإحباط إلى عنف رقمي؟

 

مهيمن وهاب عبود

في إحدى أكثر مشاهد رواية ظلال رقمية للكاتبة الجزائرية الدكتورة مريم نريمان نومار توتراً، يسقط من يد سهى كوباً من الماء أمام والدها العاطل عن العمل، فينفجر غاضباً بينما ترتجف هي بصمت وتساعد والدتها في جمع الزجاج المتناثر. لا يبدو هذا المشهد مجرد حدث عائلي عابر، بل مفتاحاً لفهم الشخصية كلها. ففي الرواية التي تتعاطى مع واقع المراهقات على الانترنت، يظهر جانب آخر لهذه الشخصية يخالف الصورة الغالبة التي تم إبرازها في الرواية كمتنمرة رقمية ليتبين للقارئ انها في الواقع مراهقة تحمل قدراً كبيراً من الإحباط والحرمان العاطفي، وتبحث عن شعور بالقوة افتقدته في منزلها. الرواية من خلال شخصية سهى تكشف عن حقيقة مؤلمة مفادها أن كثيراً من العنف الرقمي الذي يتعرض له شبابنا اليوم ليس إلا صدى لصدمات وخيبات أمل يعيشونها في عوالمهم الحقيقية، وتصبح الشاشة المساحة الأكثر سهولة للتنفيس عن هذا الغضب المكتوم.

وتعزز الرواية هذه الفكرة عندما تربط بين المشهد العنيف داخل منزل سهى وسلوكها في المدرسة والفضاء الرقمي. فالبنت التي تتلقى الإهانات باستمرار، وتعيش في منزل يفتقر إلى الدفء العاطفي، لا تجد منفذاً صحياً لتفريغ خوفها وإحباطها، فتتحول هذه المشاعر تدريجياً إلى رغبة في السيطرة على الآخرين. ففي الفضاء الرقمي، لم تعد سهى الفتاة المرتبكة أمام والدها، بل فتاة تمتلك المعرفة التقنية وتستخدمها لتتبع الآخرين واستغلال نقاط ضعفهم، وكأنها تستعيد من خلالها سلطة افتقدتها في حياتها اليومية.

هذا السلوك يعكس نظرية نفسية معروفة تسمى “الإزاحة”، إذ يوجه الفرد غضبه من مصدر قوي لا يمكنه مواجهته (والده وظروف أسرته) نحو هدف أضعف وأكثر أماناً (زميلتها جوري). بحسب الدكتور حيدر كريم الجزائري في كتابه عن الإرشاد والصحة النفسية، فإن الإزاحة تعتبر آلية دفاعية يستخدمها الشخص المحبط لينقل التوتر الداخلي إلى جهة أخرى سواء شعورياً أو لا شعورياً. ولا تبدو هذه الآلية النفسية بعيدة عن الواقع العراقي. فقد حذر اختصاصيون اجتماعيون ونفسيون، في تقرير نشرته وكالة شفقنا العراق، من أن الضغوط الاقتصادية والخدمية المتواصلة تولد شعوراً دائماً بالقلق وعدم الأمان، وتؤثر في تقدير الذات، وتزيد من احتمالات التوتر داخل الأسرة والعلاقات الاجتماعية. وعندما تتراكم هذه الضغوط دون وجود قنوات صحية للتعبير عنها، قد يجد بعض الشباب في الفضاء الرقمي متنفساً لتفريغ الغضب أو استعادة شعور مؤقت بالسيطرة.

عندما تخترق سهى حساب “جوليا”، إنما تعبر في الواقع عن رغبتها في كسر القيود التي تكبلها، مستخدمة ذكاءها التقني كسلاح بدلاً من أن يكون أداة للبناء.

لكن الإزاحة تفسر انتقال الغضب، ولا تفسر اختيار الضحية. وهنا تطرح الرواية تفسيراً آخر يتمثل في المقارنة الاجتماعية. ما يثير العاطفة ويغذي سلوك سهى العدائي تجاه جوري ليس مجرد كراهية عمياء، بل شعور معقد بالنقص والحسد. سهى ترى في “جوليا” (الشخصية الافتراضية لجوري) كل ما تفتقده: الاهتمام والغموض الجذاب و المعجبون من كل مكان. إنه الصراع القديم بين “المحظوظ” و”المحروم”. هنا، لا تدفع دهشة سهى بقدرة جوري على إخفاء هويتها إلى كشف السر فحسب، بل إلى محاولة إسقاط الصورة المثالية التي تمثلها، وكأن سقوط جوري سيخفف من شعورها الدائم بالنقص ويعيد التوازن الذي افتقدته في حياتها.

في ختام الرواية تصل المواجهة إلى ذروتها عندما يذهب والد جوري لمنزل أسرة سهى. هنا تكشف الرواية عن فجوة أعمق في فهم الأزمة. فبينما يرى والد جوري أن المشكلة تتعلق بالانضباط والتربية وضبط السلوك، ينشغل والد سهى بإلقاء اللوم على زوجته قائلاً: “أنتِ السبب! دلالك هو الذي قاد إلى هذا الأمر”، متجاهلاً البيئة التي أسهمت في تشكيل شخصية ابنته. وبين الموقفين، تضيع المشكلة الحقيقية؛ إذ ينصب الاهتمام على معالجة السلوك الظاهر، بينما تبقى أسبابه النفسية والأسرية دون مواجهة. يعكس المشهد محدودية الحلول التقليدية في مواجهة قضايا العنف الرقمي. الاعتذار الذي تقدمه سهى تحت ضغط الوالدين هو اعتذار شكلي، ولا يعالج الجذر الحقيقي للمشكلة.

الرواية هنا تطرح سؤالاً جوهرياً للمجتمع العربي مؤداه، هل يكفي فرض “حماية الأب” أو “تدخل المدرسة” لوقف التنمر؟ الجواب يكمن في تفاصيل صمت سهى. فطالما ظلت الساحة الأسرية بيئة حاضنة للعنف النفسي وعدم التقدير، سيظل الفضاء الرقمي ملاذاً سهى لهروب هذه المشاعر السلبية. فالمتنمر الرقمي في الرواية لا يحتاج إلى توبيخ أمام الأهل بقدر حاجته إلى من يسمعه ويفهم ألمه. فالعقاب قد يوقف اليد عن كتابة التعليقات الجارحة، لكنه لن يوقف القلب المليء بالمرارة من البحث عن ضحايا جدد.

شخصية “سهى” في رواية “ظلال رقمية” لا تتركنا مع مجرد استنتاج مقلق، بقدر ما تضعنا أمام مرآة صادمة تعكس تشظي الهوية في زمن التكنولوجيا، فالظلال الرقمية التي تختبئ خلفها شخصيات مثلها ليست سوى انعكاس مشوه لظلال واقعية كئيبة تعيش في تفاصيل بيوتهم وخلف أبواب غرفهم المغلقة. إنها تذكرنا بقسوة حقيقة مفادها أن المتنمر غالباً ما يكون في جوهره شخصاً يعاني من انعدام الأمان الشديد، وأن قسوته اللامتناهية على الآخرين في الفضاء الافتراضي ليست سوى محاولة يائسة ومأساوية في آن واحد، لإخفاء ضعفه وهشاشته، ولتعويض الشعور بالعجز الذي يلاحقه في حياته اليومية.

صفوة القول إن علاج العنف الرقمي لا يبدأ بتشفير الرسائل أو حظر الحسابات، هو يبدأ بمداواة الجراح الحقيقية، النفسية والاجتماعية، في بيوتنا ومدارسنا، وببناء جيل لا يحتاج لقناع إلكتروني ليشعر بأنه موجود وصوته مسموع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *